الاستعدادات بدأت قبل أسابيع من حلول ذكرى المولد النبوي، حيث توافدت آلاف الأسر المغربية إلى مدينة مكناس لحجز مكانها لحضور الاحتفالات، التي تقام قبل وبعد أيام من الذكرى بضريح الولي الصالح القادم من منطقة سوس، والذي أرسله والده في شبابه إلى فاس قصد إتمام دراسته بجامعة القرويين حتى يتشبع بأصول الدين وبعلومه، قبل أن يكرس نفسه في محاربة البدع المنتشرة بالمدينة آنذاك تحت شعار: "السنة تجمعنا والبدعة تفرقنا".
وتوارث سكان المدينة وضواحيها الطقوس الاحتفالية، التي تسبق يوم الاحتفال بذكرى المولد النبوي. عادات امتزجت فيها الأذكار الروحية بأعمال السحر والشعوذة، بالإضافة إلى ممارسات بدائية مثل شرب الماء الساخن أو طعن الجسد بآلات حادة، وكذا نحر أضحية وشرب دمائها الساخنة.. كل هذا يحدث في موسم الشيخ الكامل.
وبينما يكون الضريح طيلة شهور السنة مرتعا للمتشردين ولذوي المشاكل النفسية والعقلية، يصير محط أنظار السلطة بسبب اكتظاظه بآلاف المريدين من نساء ورجال وأطفال حملوا أغطيتهم وأفرشتهم، وقرروا الاستقرار بداخله من أجل "فسخ" المشاكل النفسية أو ما يسمى "العكس والتابعة"، وكذا المس.
ويستمر سكان مدينة مكناس في الاحتفال بهذه الذكرى، التي ينتظرها عدد من المغاربة من بقاع المملكة، حيث يأتون لـ"الزيارة"، وينخرطون في ممارسات مثل "الجذبة" و"التحيار"، وكذا في مسيرة على الأقدام، وهم حفاة، يبحثون خلالها عن الدم، وينتظرون الأضحية بشغف كبير كشرط أساسي لاستكمال التفاعل الروحي، بينما تتعالى صرخات نساء يقال إنهن مصابات بالمس، واللواتي يغمى عليهن من شدة "الهيجان الروحي".
ولعلم النفس رأي في هذه الظواهر التي تقع داخل أضرحة المدينة وخارجها، حيث يوضح الطبيب والمحلل النفسي جواد مبروكي الخلفيات النفسية لهذه الممارسات قائلا: "يمكن تحليل ما يقع داخل ضريح الشيخ الكامل في هذه المناسبة من عدة زوايا، ولو أني أقر بأن لهذه الطرق فوائد علاجية كبيرة".
ويضيف المحلل النفسي، أنه "بالرغم من أن الحضرة مبنية على أرضية من الاعتقادات الخرافية والشعوذة والمس، فهي مفيدة في التنفيس عنهم"، قبل أن يستدرك قائلا: "لكن في الغالب يتم استغلال هؤلاء ماديا وجنسيا في هذه الطرق العلاجية".
وأبدى جواد مبروكي رأيه في طريقة العلاج بـ"الحضرة" قائلا إن "الناس الذين يمارسون هذه الطرق العلاجية يربطون النتائج بالعلاج الفقهي عن طريق ما يعرف بالذكر والطقوس التي تهدف إلى صرع الجن وتطهير المصاب بالمس"، مضيفا أن "هناك عددا كبيرا من الأمراض النفسية، التي لها صلة وصل مع المعتقدات الخرافية مثل المس، وهذه الأمراض بإمكانها أن تشفى لمدة محددة، ثم تعود مرات، حسب الظروف اليومية وتراكمها، وحسب عدد الأزمات النفسية التي مر بها كل مريض خلال فترة طفولته".
وأشار الأخصائي النفسي إلى أن "هذه الفترة تأخذ محل العلاج "البسيكودرامي"، حيث يتمكن المريض من الوصول إلى ما يسمى "الكطارسيس" عن طريق الجذبة والحضرة، بمعنى أنه يصل إلى التطهير النفسي من الضغوطات المتراكمة لديه طيلة السنة".
وتجمع ساحة الضريح، حسب الأخصائي النفسي، كل شخص يعاني مشاكل زوجية أو تأخرا في الزواج أو ضعفا في القدرة الجنسية، إضافة إلى الحالات التي تعاني إحباطا شديدا، والأشخاص الذين لديهم شذوذ جنسي غير معلن عنه. ويضيف أن كل تلك الضغوطات النفسية تتحول داخل تلك الساحة الصغيرة المكتظة إلى أعراض غريبة، حيث يصبح الجسم مسرحا للتعبير، وتأخذ هذه التعبيرات الجسمانية طابع المس.
وأكد مبروكي أن "هؤلاء المرضى يحتاجون إلى أن يصبحوا محط عرض أمام الجمهور لكي يحصلوا على شهادات بأنهم بالفعل مرضى، ويجب الاعتناء بهم والاعتراف بهم لأنهم "تحضروا" أثناء الطقوس المتعارفة في هذه المناسبات"، مضيفا "أثناء الحضرة يصل المريض إلى التطهير النفسي من الضغوطات المتراكمة، ويرجع العداد إلى الصفر من جديد".
وأوضح الأخصائي النفسي أن "طرق الحضرة أو الجذبة لا تختلف عن الرقصات المرافقة للموسيقى أو (غيف بارتي)، حيث يجتمع أكبر عدد من الناس لتعاطي المخدرات وشرب الخمر ليصل الشخص إلى مرحلة فقدان الوعي، وهذا نوع مختلف من الحضرة، التي يشعر بعدها الشباب بنوع من الراحة الداخلية".
ومن بين الروايات حول الشيخ الكامل أن السلطان الولي لما بلغه صلاح وزهد الولي أمره بالخروج من المدينة، فأخذ الولي جرة وبدأ ينفخ فيها حتى بدأ السلطان ينتفخ، وكلما زاد نفخه ازداد انتفاخ جسد السلطان إلى أن أمر بإحضاره، طالبا منه الاستقرار بعاصمته.
وقد اختار الولي منطقة خارج المدينة، بنى بها زاويته، وعرف بعدها باسم الكامل، وهي الكنية التي يسمى بها اعترافا له بمساهماته الكبيرة في تلقين العلوم الشرعية وإرساء مبادئ الصلاح والمحبة والإخلاص.

»
السابق
Older Post
«
التالي
Newer Post